عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
250
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
رجب في طبرية ، وقيل في دمشق ، في السنة المذكورة ، وقيل في سنة تسع وثلاثين وثلاث مائة ، والله أعلم . وفي السنة المذكورة توفي الحافظ الإمام ، محدث الأندلس ، أبو محمد قاسم بن أصبغ القرطبي ، صنف كتاباً على وضع سنن أبي داود ، وكان إماماً في العربية . وفيها توفي أبو الحسن الكرخي شيخ الحنفية بالعراق ، وانتهت إليه رئاسة المذهب ، وخرج له أصحاب أئمة . وكان إماماً قانعاً متعففاً عابداً صواماً قواماً كثير القدر . سنة إحدى وأربعين وثلاث مائة فيها ظهر رجل وامرأة من التناسخية ، يزعم الرجل أن روح علي رضي الله عنه انتقلت إليه . وتزعم المرأة أن روح فاطمة رضي الله تعالى عنها انتقلت إليها . وآخر يدعي أنه جبريل ، فضربهم الوزير المهلبي ، فتعززوا بالانتماء إلى أهل البيت . وكان بعض الولاة إذ ذاك شيعياً ، فأمر بإطلاقهم . وفيها أخذت الروم مدينة سروج . وفيها توفي طاهر المنصور ، إسماعيل بن القائم بن المهدي العبيدي الباطني ، صاحب المغرب . حارب مخلداً الأباضي الذي قد قمع بني عبيد ، واستولى على مماليكه ، فأسره وسلخه بعد موته ، وحشى جلده . وكان المنصور المذكور بطلاً شجاعاً فصيحاً مفوهاً ، يرتجل الخطب . وكان سبب موته أنه أصابهم مطر ، نزل فيه برد كبير ، وهبت ريح شديدة ، فأوهن ذلك جسمه ، واشتد عليه البرد ، ومات أكثر من معه ، فأراد أن يدخل الحمام ، فنهاه طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي ، فلم يقبل منه ، ودخل الحمام فنالت الحرارة الغريزية منه ، ولازمه السهر ، فأقبل إسحاق يعالجه ، والسهر باق على حاله ، فاشتد ذلك عليه ، فقال لبعض الخدم : أما بالقيروان طبيب يخلصني من هذا . فقيل : هنا شاب قد نشأ ، يقال له إبراهيم ، فأمر بإحضاره ، فحضر ، فعرفه ، وشكا ما به ، فجمع له أشياء منومة ، وجعلت في قنينة على النار ، وكلفه شمها . فلما أدمن شمها نام ، وخرج إبراهيم مسروراً بما فعل ، وجاء إسحاق ليدخل عليه فقالوا : هو نائم ، فقال : إذا كان قد صنع له شيئاً ينام به فقد مات ، فدخلوا عليه ، فوجدوه قد مات ، فأرادوا قتل إبراهيم ، فقال إسحاق : ما له ذنب ، إنما داواه بما ذكره الأطباء ، غير أنه جهل أصل المرض ، وما عرفتموه ذلك ، إني كنت